محمد حسين علي الصغير

72

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

عند المعتزلة من هذا الوجه ، وهنا يأتي الشرع مؤيدا للعقل أو دالا عليه ، أو متوافقا معه عند الإمامية ، ولهذا لجأوا إلى التنظير على صحة ذلك إلى القول بالقبح والحسن العقليين ، تسويغا لنظرتهم هذه ، وهي أساس عقلي دون ريب . ولكننا مع هذا نجد أن التحقيق في الموضوع يرجح عندهم الجنوح إلى المجال اللغوي أكثر من الجنوح إلى الأصل العقلي ، فكأنهم تذرعوا بالعقل إلى الوصول إلى مدارك العقل واجتهاداته في النصوص القرآنية ، فالنحو الذي يدرسون به النص من وجوهه المحتملة ، والبلاغة التي فرضت وجودها في مجالات التأويل ، دليل على التذرع بالعقل في استخدام اللغة ، وقد نجم عن ذلك تأليف الزمخشري للكشاف الذي اعتمد الجانب البلاغي في ترجيح العقل ، وهو من أبرز آثار المعتزلة في التفسير ، أو أمالي المرتضى الذي يعتبر من أبرز من أكد على الجانب اللغوي من الامامية في تفسيره لجملة من الآيات ، فنجد أن كلا منهما قد عني بمسائل اللغة والبيان والتمثيل ، كما عني بالمسائل العقلية النظرية ، فجاء التفسير مزيجا بين هذا وهذا ، ففي الوقت الذي تذهب فيه اللغة إلى التجوز العقلي في صفات اللّه ، يدفع فيه العقل الفطري حسن الحسن وقبح القبيح ، وغير هذا مما يكشف عنه : وجه ربك وهو ذاته ، وعينه وهي عنايته ورعايته ، ويده وهي قوته وإرادته ، فإنه يستعمل الدلالة اللغوية في تجوزها من المعنى اللغوي الأصلي إلى المجاز والاستعارة والكناية ، ويمتد ذلك الجانب اللغوي كله فنجد العناية بالمعنى ودلالته ، والنّظم والتركيب وتجوزهما بلاغيا فتلمس أهمية التمثيل والتخييل من باب ضرب المثل ، وتجدد الحوادث ، ومماثلة القصص ، واستخلاص العبر ، مما يخلص معه إلى أثر العقل في هذا الشأن ، وأن كان مرجعه اللغة . ومن هذا الملحظ في الأقل ، وإن توسعوا في ملحظ آخر . ويبدو من هذا أن المصدر العقلي بطبيعة مصدر قمم لمصدرين آخرين هما المصدر النقلي المتقدم ، والمصدر اللغوي الآتي ، ومنشقا عنهما - في هذا المجال فحسب ، ومن خلال هذا المنظور وحده - وليس مصدرا قائما بذاته تسير به عملية التفسير أو التشريع ، بل هو فيما يلوح لي طريق توصلي